بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين


أخواتي، إخواني، أعضاء المجلس الوطني،


السيدات والسادة ممثلي أسرة الإعلام.


اسمحوا لي في البداية، أن أجدّد لكم ترحابي الحار، وتمنياتي لكم بقضاء سنة سعيدة.


ومثلما جرت عليه العادة، سأدلي من خلال مداخلتي هذه ، ببعض الملاحظات الأولية التي تسبق النقاش الذي سيدور بيننا طوال هذه الدورة.


وسأستهل كلمتي هذه بالترحم بخشوع وإجلال على روح شقيق ورفيق كل الجزائريين الغيورين على الوطن، الأخ عبد الحق بن حمودة، الذي اغتاله الإرهاب الوحشي يوم 28 جانفي 1997.


لقد نهض عبد الحق بن حمودة عندما كانت الجزائر مهدّدة بالزوال، وسقط شهيدا لكي تعود الجزائر إلى بر الأمان، ولكي تعود البسمة إلى وجوه أبنائها. لذلك كله، كان وبقي وسيظل الشهيد عبد الحق بن حمودة رمزا للوطنية في الجزائر.


أيتها السيدات، أيها السادة،


فبخصوص الوضعية النظامية لحزبنا، سأكون مختصرا، باعتبار أنّ تقييمها سيعود للمجلس الوطني.


وبدوري أسجل بكل ارتياح النتائج التي تحصل عليها التجمع الوطني الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي لأعضاء مجلس الأمة. هذه النتائج المريحة في حد ذاتها، هي ثمرة تجنيد منتخبينا، ونتيجة المصداقية التي يحظى بها الفائزون من حزبنا لدى منتخبي الأحزاب الأخرى.


ومن جهة أخرى، ستفضي هذه الدورة الخامسة، من دون شك، إلى إطلاق مسار التحضيرات لعقد المؤتمر الاستثنائي المقبل، مثلما تقتضيه النصوص الأساسية للحزب.


أيتها السيدات، أيها السادة،


سأتطرق في سياق تعليقاتي حول الوضع السائد في البلاد، في المقام الأول، إلى مشروع التعديل الدستوري، الذي أكد من خلاله المجاهد عبد العزيز بوتفليقة، وفائه للمبادئ التي يشترك فيها مع رفقاء دربه في السلاح، مبادئ من بينها احترام العهد الذي قطعوه مع الجزائر وشعبها.


نعم، إنّ شعبنا يشهد لرئيس الجمهورية وفائه بوعوده والتزامه بتحقيقها، وخير دليل على ذلك، استعادة السلم والأمن بفضل الوئام المدني والمصالحة الوطنية، كما يشهد له بذلك أيضا، التقدّم المعتبر المسجل منذ سنة 1999 في ميدان التنمية الاقتصادية والاجتماعية، على غرار ملايين السكنات المسلّمة، وملايين مناصب الشغل المستحدثة، وهذا إذا ما أكتفينا بهذا القدر من الأمثلة.


وفيما يخص مشروع التعديل الدستوري، فإنّ القراءة النزيهة لهذه الوثيقة تبرز لنا احتوائها على كل الالتزامات التي تعهّد بها رئيس الجمهورية بشأن هذا الملف، انطلاقا من خطابه بتلمسان يوم 16 أفريل 2011 وصولا إلى رسالته الموجهة بتاريخ 31 أكتوبر المنصرم، بمناسبة إحياء ذكرى اندلاع ثورة الفاتح نوفمبر 1954. وسأوضح هذه الحقيقة من خلال أربعة أمثلة.


في المقام الأول: إنّ مشروع التعديل الدستوري هو مشروع توافقي، مثلما تشهد له تصريحات غالبية المشاركين في الاستشارة حول هذا الملف.


في المقام الثاني: لقد عزّز هذا المشروع الوحدة الوطنية بشكل فعلي، ولاسيما بترسيمه للغة الأمازيغية.


في المقام الثالث: إنّ انشغالات وآمال مجتمعنا قد تمّ التكفّل بها إلى أبعد حد في هذا التعديل المقترح، وهذا ما يتجلى في صورة تأطير التحولات الاقتصادية، أو ضمان العدالة الاجتماعية، وكذا حماية الحقوق والحريات وتعزيز حماية المواطن من طرف العدالة، بما في ذلك أمام المجلس الدستوري.


وفي المقام الرابع والأخير، سجلت التعددية الديمقراطية والحكامة في مشروع هذا التعديل الدستوري، تقدما مهما، من خلال تعزيز استقلالية القضاء وترقية وظيفة الرقابة، مع تعزيز الفصل بين السلطات، وكذا توسيع الحقوق المعترف بها للمعارضة.


وفيما يخصنا في التجمع الوطني الديمقراطي، فإننا نتوجه بالتحية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة وننوه بكل ما يقوم به من أجل الجزائر، وندعو المولى عزّ وجل أن يمدّه بالقوة والشجاعة لقيادة شعبنا لتحقيق خطوات أخرى نحو الأمام، في ظل محيط خارجي مقلق أكثر فأكثر، سواء على الصعيد الأمني أو على الصعيد الاقتصادي.


أيتها السيدات، أيها السادة.


أود كذلك، اغتنام فرصة تواجد ممثلي حزبنا من جاليتنا الوطنية في الخارج معنا، لرفع اللبس الذي تعمّد البعض الترويج له بخصوص مكانة جاليتنا الوطنية في مشروع مراجعة الدستور.


وفي هذا الشأن، يجدر بي التذكير أولاً، بأنّ دستورنا، قد أغفل منذ الاستقلال، جاليتنا الوطنية المقيمة في الخارج، كونه يكتفي في مادته 24، بذكر أنّ الدولة تتكفل بحماية كل مواطن في الخارج بما فيهم المهاجر والمسافر.


لذا، فإنّ هذا التعديل الدستوري هو الذي تكفّل لأول مرة، بالجالية الوطنية المقيمة في الخارج، من خلال مادته 24 مكرّر. هذه المادة التي تحمّل المسؤولية للدولة لصون هوية مواطنيها المقيمين في الخارج، وكذا تعزيز ارتباطهم بالأمة وتجنيد مساهماتهم في تنمية بلدهم الأصلي.


ومن ثمة، فإنّ هذه المادة 24 مكرّر هي التي تعني بصفة مباشرة ملايين الجزائريين والجزائريات في الخارج، الذين ينتظرون من الجزائر الوقوف إلى جانبهم، ويرغبون كذلك في التقرب أكثر من وطنهم ومن وطن آبائهم وأسلافهم.


أما فيما يخص المادة 51 المتمّمة، والتي كانت محل جدال، فإنها تهدف ببساطة، إلى أن تضمن للجزائر، بأن يكون ولاء أولئك الذين يرغبون في خدمتها أو تمثيلها على أعلى المستويات من المسؤولية، للجزائر فقط دون سواها، وأن يكونوا متحرّرين من أي صلة مع أي قوة خارجية كانت.


أين هو الجرم في هذا ؟ أين هو المساس هنا بحقوق مواطنينا الحاملين لجنسية أخرى؟ كم هو عدد الجزائريين مزدوجي الجنسية الراغبين في تولي منصب وزير أو سفير أو والي في الجزائر؟ خمسة آلاف (5.000)؟ عشرة آلاف (10.000)؟ وحتى بالنسبة لهؤلاء، يقتضي الأمر بكل بساطة، التخلي عن جنسيتهم غير الجزائرية، ليكون بإمكانهم تولي أعلى مناصب المسؤولية لخدمة الجزائر.


أيتها السيدات، أيها السادة،


إنّ الخوض في وضعنا الاقتصادي والاجتماعي يقودنا حتما إلى الحديث عن أزمة سوق النفط الدولية، أزمة تبدو مزمنة، ولن تستثني أي بلد منتج، سواء تعلق الأمر بدول مجموعة الثمانية للقوى الاقتصادية الكبرى في العالم على غرار روسيا أو كندا، أو الدول النامية مثل المكسيك أو العربية السعودية، وكذا الدول السائرة في طريق النمو مثل نيجريا أو الجزائر.


بالفعل، لقد انهار سعر برميل النفط من 110 دولار في جانفي 2014 إلى أقل من 30 دولار في الشهر الحالي، بمعنى أن بلادنا تخسر ما يقارب 80 % من مداخيلها الخارجية.


وبطبيعة الحال، لابد لهذا الواقع أن يثير قلقنا، ولكن يجب على الخصوص أن يشجعنا على العمل، لأنّ الجزائر تتوفر على مزايا عديدة تسمح لها بحماية سياسة عدالتها الاجتماعية وتمكّنها من أن تتجاوز هذه الأزمة اقتصاديا.


نعم، إنّ الجزائر بإمكانها حماية سياسة عدالتها الاجتماعية طالما أنها تمتلك استقلاليتها في اتخاذ القرار في الميدان الاقتصادي والاجتماعي.


إنّ هذه الاستقلالية قد دفعت ثمنها غاليا من خلال برنامج التعديل الهيكلي المؤلم منذ عشريتين مضت. كما أنّ هذه الاستقلالية قد تمّ الحفاظ عليها بفضل سياسة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للتخلص من المديونية، وهو الذي حرّر الجزائر من مديونتها الخارجية. كما بإمكان الجزائر أن تتجاوز اقتصاديا هذه الأزمة بقوة، باستغلال مؤهلاتها المعتبرة.


بالفعل، إنّ بلادنا فتية، وشبابنا متكون، وهياكلنا القاعدية تعزّزت بشكل ملحوظ خلال العشريات الأخيرة. كما أن قاعدتنا الصناعية توسّعت بفضل مساهمات عديد المتعاملين الخواص الوطنيين وكذا من خلال بعض الشراكات مع الأجانب. وفضلاً عن ذلك، فإننا نملك طاقات زراعية ومنجمية وسياحية جد واعدة.


ولم يتبقى علينا سوى إعادة الاعتبار للعمل وتطوير التنافسية.


كما يستلزم منا الأمر كذلك، تعميق الإصلاحات الاقتصادية اللازمة، إصلاحات لا تمس بثوابتنا الأساسية، وهو ما يصونه الدستور المعدّل، مستقبلاً.


كما لابد علينا أيضا الحفاظ على الاستقرار الأمني والسياسي والاجتماعي لبلادنا، في ظل الأمثلة العديدة عبر العالم التي أثبتت أنّ الفوضى والعنف لم يعالجا ولن يعالجا أبداً المشاكل ولاسيما الاجتماعية منها.


أيتها السيدات، أيها السادة.


بحديثنا عن الاستقرار، فإنّ التجمع الوطني الديمقراطي يتقدم بتحية إجلال وإكبار للجيش الوطني الشعبي على تجنّده وتضحياته من أجل القضاء على بقايا الإرهاب بداخل البلاد، وعلى سهره على حماية التراب الوطني من كل تهديد خارجي.


فليكن أبنائنا من أفراد الجيش الوطني الشعبي وأسلاك الأمن، الذين يسهرون على أمننا وأمن بلادنا، مثالا لنا في تجنّدنا، كل واحد في ميدان اختصاصه، لخدمة الجزائر، الجزائر التي قامت بأعظم ثورة في التاريخ المعاصر، ثورة ضحّت فيها بمليون ونصف مليون شهيد من بين أعز أبنائها.


إنّ شعبنا قد عرف كيف يواجه لوحده، تكالب الإرهاب خلال عشرية من الزمن، كما عرف كيف يعطي بعدها درسا للعالم في العظمة من خلال المصالحة الوطنية. فشعبنا هذا، شعب تحديات، سيتمكن بعون الله من تجاوز الأزمة المالية الحالية.


وفي هذا الوقت الذي يتطلب منا التعبئة، لابد أن تكون ثورة الفاتح نوفمبر، مرة أخرى، مصدر إلهام وطنيتنا، وهذا ما يستوجب من بعض شخصياتنا، وحتى التاريخية منها، التوقف عن التراشق بالتصريحات التي تشوش على صورة ثورتنا التحريرية المظفرة وتمس بشرف البعض من شهداءنا الأبرار أو بعض المجاهدين الذين وافتهم المنية.


إنه لمن المؤسف أن تتم الإساءة إلى ثورة الفاتح نوفمبر، التي لا تزال ملحمة في قارات أخرى، من طرف بعض المشاركين فيها أو من طرف أبنائها.


وفي هذا الوقت الذي يتطلب منا تجنيد طاقاتنا الوطنية، لابد أن تبقى صورة الجزائر المستقلة وتضحيات شعبها، في منأى عن أنانيات المسئولين السابقين مهما كانوا. فاتركوا رحمكم الله جراح الجزائريين تندمل، احترموا كرامة قادتكم ورفقائكم المتوفين، التزموا بتعاليم وقيّم ديننا الحنيف الذي يدعونا إلى ذكر موتانا بخير.


وفي هذه اللحظة التي تستوقفنا فيها الأزمة، يجب على جميع الوطنيين الذين هم بأعداد كثيرة، التعبئة من أجل شرح الحقائق للمواطنين ومن أجل حمل رسالة الأمل المشروع في مستقبل الجزائر.


هذا الأمل الذي يتجسد بالعمل، هو جزء من شعار التجمع الوطني الديمقراطي، فليكن كل واحد منا وفي لهذا المسعى. 


 


شكراً لكم على كرم الإصغاء.

تغريدات

ألبوم الصور

المزيد من الألبومات