عرض مخطط عمل الحكومة المقدم
من قبل الوزير الأول، السيد أحمد أويحيى،
أمام المجلس الشعبي الوطني
يوم الأحد 17 سبتمبر 2017.
ـــــــــــــ


بسم الله الرحمن الرحيم


السيد رئيس الـمجلس الشعبي الوطني الـمحترم،
السيدات والسادة النواب الأفاضل،
السيدات والسادة الوزراء،
السيدات والسادة الإعلاميين،
أيتها السيدات أيها السادة،


السلام عليكم ورحمة الله


أزول فلاون


إنه لـمن دواعي الشرف أن أتوجه إلى مجلسكم الـموقر، لأعرض عليه مشروع مخطط عمل الحكومة، وأن ألتمس منكم الـمصادقة عليه.


وبهذه الـمناسبة، أود في البداية، أن أؤكد لكم إرادة الحكومة وعزمها على عدم ادخار أي جهد من أجل إقامة علاقة تكامل متينة مع نواب الشعب، في إطار أحكام الدستور.


كما أوجه من هذا الـمنبر، رسالة تقدير ومودة إلى كل مواطنينا، حيثما وجدوا، في الجزائر أو في الخارج، داعيا الـمولى أن يمد الحكومة بعونه ويوفقها في خدمتهم.


وأتوجه كذلك بالتحية إلى كل أفراد جيشنا الوطني الشعبي البواسل وكذا إلى عناصر الدرك الوطني والأمن الوطني، الذين مكنوا شعبنا، بفضل التزامهم وتضحياتهم، من العيش في أمان، ومن حماية بلادنا من الاضطرابات التي تحيط بحدودها.


إذ ننحني أمام أرواح كل شهداء الواجب الوطني، الذين سقطوا من أجل صون وديعة شهداء ثورة نوفمبر الـمجيدة، فإننا نسأل الـمولى أن يتغمدهم بواسع رحمته ويسكنهم فسيح جنانه.


ولا يفوتني من جهة أخرى، أن أحيي صحافتنا الوطنية وأن أجدد لها الإلتزامات الواردة في مخطط العمل، بغية تطوير هذه الـمهنة وكذا من أجل تدعيم حرية التعبير.


السيد رئيس الـمجلس الشعبي الوطني،
السيدات والسادة النواب،
أيتها السيدات أيها السادة،


لقد عرضت عليكم الحكومةمخطط عملها، منذ أسبوع، كما وضعت هذه الوثيقة في متناول الصحافة والرأي العام، عبر شبكة الإنترنت.


إن مخطط العمل هذا هو ذلك الذي تتشرف الحكومة على أساسه بمواصلة تنفيذ برنامج فخامة رئيس الجمهورية، السيد عبد العزيز بوتفليقة. وبالتالي، فإنه من الـمفيد التذكير، قبل كل شيء، بالأهداف الأساسية التي يتوخاها هذا البرنامج الرئاسي الذي زكاه الشعب بالأغلبية وبكل سيادة بتاريخ 17 أفريل 2014، والتي تتمثل في :


ـ أ ـ تعزيز استقرار البلاد؛
ـ ب ـ ترسيخ ديمقراطية هادئة أكثر فأكثر؛
ـ ج ـ مواصلة التنمية والنمو الاقتصاديين؛
ـ د ـ تثمين الرصيد البشري الوطني؛
ـ هـ ـ تدعيم التقدم الاجتماعي؛
ـ و ـ تعزيز التضامن لدى مجتمعنا؛
ـ ز ـ وتوثيق روابط الجزائر مع أبنائها في الخارج.


وفي هذا السياق، فإن الحكومة عازمة على أداء مهمتها من خلال توظيف جهودها حول أربعة (04) محاور.


في الـمقام الأول، فإن الأمر يتعلق بالحفاظ على أمن البلاد واستقرارها ووحدتها، بما في ذلك مع تعزيز الديمقراطية ودولة القانون ومع عصرنة الحكامة.


ويتعلق الأمر في الـمقام الثاني، بالحفاظ على الاستقلال الـمالي للبلاد ؛


ويتعلق الأمر في الـمقام الثالث، بتكثيف التنمية الاقتصادية في جميع الـمجالات؛


أما في الـمقام الرابع، فإن الأمر يتعلق بتدعيم التقدم الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية والتضامن الوطني.

السيد رئيس الـمجلس الشعبي الوطني الـمحترم،
السيدات والسادة النواب الأفاضل،
أيتها السيدات أيها السادة،


لا شك أن كل واحد منا يقر بأنه لا يمكن أن تتحقق التنمية ولا الرفاهية، عندما يكون الأمن غائبا، وعندما يكون استقرار البلاد مهددا، أو عندما تتعرض الوحدة الوطنية إلى الـمساس. وقد علّمنا تاريخنا الحديث ذلك بألم، كما تقدم لنا الـمستجدات الحاصلة عبر العالم العديد من الأدلة.


وتلكم هي الدواعي التي تجعل الحكومة لا تدخر أي جهد من أجل الحفاظ على الأمن والسلم الـمدني اللذين يشكلان ثمارا ثمينة للمصالحة الوطنية.


ولهذا الغرض، فإن قواتنا الأمنية، وعلى رأسها الجيش الوطني الشعبي، ستستفيد من كل الدعم الضروري لـمواصلة مكافحة الإرهاب، ومحاربة الجريمة العابرة للحدود، ومن أجل الحفاظ على سلامة التراب الوطني.


وستعمل الحكومة في الوقت ذاته، على تطوير روح اليقظة التي من شأنها أن تشكل مساهمة أكيدة في التصدي لكل محاولات الاعتداءات الإرهابية الانتحارية ولاسيما في الوسط الحضري.


وبالـموازاة مع ذلك، سيُوضع مجتمعنا في مأمن من أي محاولة لإذكاء الفتنة، وستتم حماية شعبنا من تسلل كل الطوائف الأجنبية، وسيطبق القانون بكل صرامته من أجل حماية الـمساجد والأئمة. كما سيتم حمل الـمدرسة من خلال التربية الإسلامية، ووسائل الإعلام الوطنية وكذا الزوايا، على الـمساهمة بدورها في الحفاظ على أصالتنا.


من جهة أخرى، سيتم تعزيز وحدة شعبنا والتفافه حول هويته بفضل تثمين اللغة العربية، اللغة الوطنية والرسمية، في أعمالنا وفي محيطنا وكذا في ثقافتنا.


كما سيُدعم ترسيم الأمازيغية من خلال إقامة الأكاديمية الجزائرية للغة الأمازيغية، من أجل>ترقية هذه اللغة. وفي هذا الـمنظور، فإن تعليم الأمازيغية الذي شمل هذه السنة 28 ولاية، سيستمر في الإنتشار عبر باقي أرجاء الوطن.


وقد يكون حديثي عن هذا الـموضوع منقوصا، ما لم أذكّر هنا، بأن الإرادة السياسية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة التي تجسدت بدسترة الأمازيغية لغة وطنية ثم لغة رسمية، هي التي سمحت لبلادنا بتعزيز وحدتها عبر هذا البعد الذي يمثل جزء لا يتجزأ من هويتنا الوطنية.


فضلا عن ذلك، فإن تاريخنا بكل عظمته، ولاسيما تاريخ ثورة أول نوفمبر 1954 الـمجيدة، سيظل في صميم برامجنا التكوينية وكذا ضمن جهودنا في الحفاظ على الذاكرة الوطنية، بما يسمح لشبابنا بتغذية اعتزازه بالإنتماء إلى شعب عظيم تمتد جذوره إلى آلاف السنين؛ شعب قدم مساهمة ثابتة في التاريخ وفي الحضارة العالـميين؛ شعب ساهمت ثورته التحريرية الجليلة في تحرير الكثير من الشعوب الأخرى عبر العالم.


السيد رئيس الـمجلس الشعبي الوطني،
السيدات والسادة النواب،
أيتها السيدات أيها السادة،


إن الحفاظ على الأمن والاستقرار سيتواصل أيضا عن طريق مكافحة دؤوبة ضد كل أشكال الجريمة.


وهكذا، سيتم التركيز على إبراز الوقاية والتحسيس في اتجاه الشباب الذي تتهدده الآفات الاجتماعية، ولاسيما المخدرات؛ وسيتم تشديد التشريع من حيث العقوبات الـمسلطة على بعض الجرائم، مثل الاتجار بالـمخدرات أو اختطاف الأشخاص. وسيتم تطبيق القانون بكل صرامته من أجل الـمحافظة على أمن الـمواطنين وسكينتهم. علاوة على ذلك، سيتواصل تعميق إصلاح العدالة على نحو يسمح بالـمساهمة في ترقية دولة القانون ومجتمع يتسم بالهدوء.


وسيتواصل ترسيخ الديمقراطية التعددية بما يسهم في استقرار البلاد.


ولتحقيق هذه الغاية، فإن الحكومة لن تدخر أي جهد، في ظل احترام مبادئ الدستور والقانون، من أجل ترقية دور الأحزاب بتنوعها، وقصد تدعيم حرية الصحافة والحق في الإعلام، ومن أجل تفعيل مساهمة الحركة الجمعوية والمجتمع الـمدني.


فضلا عن ذلك، ستظل الحكومة مستعدة دوما للحوار مع جميع الأحزاب السياسية التي تعبر عن ذلك، كلما تعلق الأمر بموضوع يخص مصالح الوطن. وستعمل الحكومة في نفس الوقت، على إقامة علاقة متواصلة مع أحزاب الأغلبية الرئاسية التي تشكل أغلبيتها الخاصة على مستوى البرلـمان.


وعلى صعيد آخر، ستتواصل عصرنة الخدمة العمومية، ولاسيما الإدارة الإقليمية بوتيرة مستمرة ليس فحسب من أجل مرافقة تحسين جو الأعمال في بلادنا، بل أيضا من أجل الاستجابة لاحتياجات الـمواطنين بمزيد من الفعالية. وفي نفس هذا الإطار، سيتم تعزيز الديمقراطية التشاركية على الـمستوى الـمحلي.

أما الحرص على ترقية السلم الاجتماعي، فسوف يجد انعكاسه في تمسك الحكومة الدائم بالحوار مع الشركاء الاجتماعيين على مستوى مختلف قطاعات النشاط.


كما سيظل التشاور في إطار الثلاثية مع الاتحاد العام للعمال الجزائريين ومنظمات أرباب العمل، العمومية والخاصة، في صميم عمل الحكومة حول العقد الوطني الاقتصادي والاجتماعي للنمو.


السيد رئيس الـمجلس الشعبي الوطني،
السيدات والسادة النواب،
أيتها السيدات أيها السادة،


سأتطرق الآن إلى الـمقاربة التي تعتزم الحكومة في ظلها الحفاظ على الاستقلال الـمالي للبلاد ومواصلة تمويل البناء الوطني.


إن أسعار الـمحروقات كما يعلم كل واحد، قد شهدت انهيارا بأزيد من النصف في السوق العالـمية. وقد انعكست هذه الأزمة الحقيقية التي لا تزال مستمرة، بآثار مؤلـمة على كل البلدان الـمنتجة للبترول. 


ولا أدل على ذلك بالفعل، من أن بعض البلدان الـمصدرة للمحروقات قد لجأت إلى اقتراضات معتبرة من الخارج لـمواجهة عجز ميزانياتها. بل إن بعض الدول البترولية الأخرى، قد اضطرت إلى الاستعانة بصندوق النقد الدولي. أما الجزائر، من جهتها، فقد تمكنت منذ ثلاث سنوات من مقاومة انهيار إيراداتها الـمتأتية من صادرات الـمحروقات وكذا انخفاض بأكثر من 50% من الجباية البترولية. وقد كان هذا الصمود ممكنا بفضل التدابير الـمالية الـمتخذة من طرف السيد رئيس الجمهورية منذ بضع سنوات.


وأولى هذه التدابير تمثلت في التسديد الـمسبق للمديونية الخارجية التي كانت تفوق في سنة 2005، مبلغ 20 مليار دولار، في نفس الوقت الذي تم فيه حظر اللجوء من جديد إلى الاستدانة من الخارج، وتمثل الإجراء الثاني في إنشاء صندوق ضبط الإيرادات لاحتضان ادخار الخزينة. أما ثالث إجراء فقد كان يتمثل في التسيير الحذر لاحتياطات الصرف رغم توصيات عديد الخبراء بتوظيفها في الخارج.


غير أن قدرة الـمقاومة التي أتاحتها هذه التدابير ما انفكت تتلاشى جراء استمرارية أزمة أسعار البترول.


وهكذا، وفيما يتعلق بالحفاظ على الاستقلال المالي للبلاد، فإن احتياطات الصرف التي كانت تقدر بمبلغ يقارب 200 مليار دولار في سنة 2014، سرعان ما تهاوت إلى نحو 100 مليار دولار في هذه السنة. وكرد فعل على ذلك، عكفت الحكومة على انتهاج سياسة الحفاظ على هذه الاحتياطات بفضل تحديد حصص الاستيراد عن طريق الرخص.

وستتواصل هذه السياسة وتضبط، في نفس الوقت الذي سيتم فيه تعزيز الاستثمار في كافة القطاعات الـمنتجة للسلع والخدمات على نحو يساهم في رفع صادرات بلادنا وتنويعها بشكل محسوس، على الـمدى الـمتوسط.


وفي الواقع، فإن تحدي الحفاظ على الاستقلال الـمالي للبلاد هو أمر يخص المجتمع كله، لأنه من واجبنا معا أن نتحول من مجتمع استهلاكي إلى مجتمع منتج حقيقي؛ مجتمع يرد الاعتبار للعمل والجهد، مجتمع مطهر من الـممارسات الطفيلية للربح السهل حتى خارج إطار القانون وحتى على حساب مصلحة الـمجموعة الوطنية.


السيد رئيس الـمجلس الشعبي الوطني الـمحترم،
السيدات والسادة النواب الأفاضل،
أيتها السيدات أيها السادة،


إن الحكومة فيما يخص تمويل البناء الوطني، قد وجدت نفسها في مواجهة وضعية معقدة.


بالفعل، فإن أرصدة صندوق ضبط الإيرادات التي بلغت أزيد من 5000 مليار دينار سنة 2012، قد استنفدت في مطلع هذه السنة بفعل حالات العجز الـمتتالية للميزانيات. أما السوق الـمالية الـمحلية فليست بذلك الحجم الذي يسمح للخزينة بالاستدانة منها، خاصة وأن بنوك الساحة قد وجدت نفسها هي الأخرى في مواجهة ندرة في السيولة تكبح تمويل مشاريع الاستثمارات حتى وإن كانت ذات مردودية معلنة.


وبالـموازاة مع ذلك، تم حظر اللجوء إلى الاستدانة الخارجية بشكل سليم من قبل السيد رئيس الجمهورية حرصا على تجنيب بلادنا خطر السقوط في دوامة الاستدانة من الخارج لتجد نفسها بعد بضع سنوات في وضعية عجز عن الدفع إزاء دائنيها؛ فتجبر على التماس مساعدة صندوق النقد الدولي مقابل تعديل هيكلي مأساوي اقتصاديا واجتماعيا.


وعليه، فإن الحكومة، أمام أزمة مالية مستوردة من الخارج، قد قررت اللجوء إلى التمويل غير التقليدي الداخلي مثلما فعلت ذلك بلدان أخرى متطورة، على إثر الأزمة الـمالية العالـمية التي حدثت منذ بضع سنوات.


وفى هذا الإطار، أودعت الحكومة مؤخرا لدى البرلـمان، مشروع قانون يعدل قانون النقد والقرض من أجل الترخيص لبنك الجزائر باقتناء مباشر للسندات التي ستصدرها الخزينة.


وهكذا، فإن الخزينة ستستدين لتمويل عجز الـميزانية، كما ستمول تسديد ديونها الهامة الـمستحقة لسوناطراك أو للبنوك العمومية الـملتزمة يتطهير وضعية سونلغاز، بشكل ستعيد فيه البنوك من جديد السيولة التي ستستعملها بدورها في تمويل الاستثمار الاقتصادي.


وجدير بالتوضيح أن اللجوء إلى هذا التمويل الاستثنائي سيكون محدودا لـمدة أقصاها خمس سنوات، ومرفوقا بإصلاحات اقتصادية ومالية من أجل استعادة توازن الـمالية العمومية وكذا توازن ميزان الـمدفوعات.


كما تجدر الإشارة إلى أن القروض التي ستحصل عليها الخزينة العمومية لدى بنك الجزائر سيكون أثرها الإيجابي مباشرا على الـمواطنين، لكونها ستسمح بإنعاش واستكمال مشاريع التنمية البشرية الـمجمدة أو الـمعطلة في هذه السنوات الأخيرة في عدة مجالات بما في ذلك الصحة والتربية.


كذلك، فإن نفس هذه القروض غير التقليدية لدى بنك الجزائر، من شأنها أن تسمح للدولة بمواصلة سيرها بصفة عادية دون أن تفرض على الـمواطنين العديد من الضرائب الجديدة.


بل إن هذه التمويلات ستنعكس أيضا بأثر إيجابي على الـمؤسسات الـمحلية، حيث ستسمح لها بتحصيل ديونها الـمستحقة على الإدارة، مما سيمكنها هكذا من البقاء والاستمرار في التطور، في وقت كان فيه مآل بعض الـمؤسسات الصغيرة والـمتوسطة الأخرى الزوال، للأسف، جراء عدم تحصيل مستحقاتها.


ومع ذلك، فقد استقبلت بعض الأصوات الإعلان عن اللجوء إلى التمويل غير التقليدي الداخلي بالتنبؤ بانفجار التضخم في البلاد. وعليه، فإن الحكومة تحرص إذن، على طمأنة الـمواطنين بمبررين إثنين :


في الـمقام الأول، فإن الأموال التي ستقترضها الخزينة لدى بنك الجزائر ليست موجهة للاستهلاك بل ستوجه لتمويل الاستثمار العمومي الأمر الذي لن يكون بالتالي مصدرا للتضخم.


وفي الـمقام الثاني، فإن الخزينة الجزائرية تتحمل حاليا دينا عموميا لا يتجاوز نسبة 20% من الناتج الداخلي الخام، وبالتالي، فإنها تتوفر على هامش معقول للاستدانة؛ فأين نحن على سبيل الـمقارنة، من بلدان أوروبية تتوفر على مالية عمومية أكثر صلابة وتواجه دينا عموميا يقارب نسبة 70% من الناتج الداخلي الخام.


ومهما يكن من حال، فإن الجزائر تكون بذلك قد تحققت من الحفاظ على استقلالها الـمالي ومن مواصلة جهدها للبناء الوطني.


وإن الحكومة التي يحدوها العزم على مرافقة هذا الحل بالإصلاحات الـمطلوبة لكي تستعيد الـمالية العمومية توازنها من جديد، تدعو الـمواطنين وكل الأعوان الاقتصاديين للبلاد إلى المساهمة في هذا الجهد لفائدة البلاد وأجيالها الصاعدة.


السيد رئيس الـمجلس الشعبي الوطني،
السيدات والسادة النواب،
أيتها السيدات أيها السادة،


سأتناول الآن الجانب الاقتصادي من مخطط عمل الحكومة؛ وهو جانب مشتق من البرنامج الرئاسي ومن النموذج الجديد للنمو الذي تبناه مجلس الوزراء.


ويجدر القول أن هذا الـمسعى يتجه نحو تكثيف النشاط الاقتصادي، من أجل إحداث مناصب عمل بالنسبة للأمة وتوفير عائدات بالنسبة للمواطنين، إلى جانب الارتقاء تدريجيا بمستوى الصادرات خارج الـمحروقات. 


ولهذا الغرض، ستواصل الحكومة الإصلاحات الجارية المتعلقة بتحديث المنظومة الـمصرفية والـمالية ومن أجل تحسين الضبط التجاري. بالإضافة إلى أن مراجعة بعض القوانين من شأنها أن تعزز أيضا البيئة القانونية للإقتصاد.


فضلا عن ذلك، فإن تطوير الـمجتمع الرقمي سيساهم في عصرنة الـمعاملات الاقتصادية والـمالية.


وأخيرا، فإن تحويل اتخاذ القرار في مجال الاستثمار إلى الولايات، باستثناء الـمشاريع الأساسية وعمليات الشراكة مع مستثمرين أجانب، سيساهم في إعطاء دفع أقوى لوتيرة الاستثمار عبر كل ربوع الوطن.


وإلى جانب هذه الإصلاحات كخلفية، ستعمل الحكومة في الإتجاهات الإثني عشر الآتية :


أولا : وماعدا في حالة الوضع الاستثنائي، سيتم الإبقاء على استقرار الإطار القانوني والتنظيمي، من أجل تمكين الـمستثمرين والـمتعاملين من التوفر على رؤية واضحة.


ثانيا : سيتم إعداد خريطة لفرص الاستثمارات عبر التراب الوطني، على نحو يوجه ويحفز الـمرشحين لإنجاز الـمشاريع.


ثالثا : سيتم الحفاظ على مجموع الـمزايا الجبائية وشبه الجبائية التي يقرها القانون للإستثمارات، بما في ذلك عندما يتعلق الأمر بالـمزايا الخاصة الـمعتمدة لتشجيع الإستثمار في ولايات الجنوب والهضاب العليا. كما ستظل الـمزايا التكميلية الـممنوحة بموجب القانون معمولا بها لفائدة الاستثمار السياحي.


رابعا : ستتم الاستجابة للطلب على العقار الصناعي من خلال تهيئة مناطق جديدة للنشاط عبر الولايات وكذا من خلال إنجاز الخمسين (50) منطقة صناعية جديدة الـمبرمجة، بصفة تدريجية.


خامسا : ستستمر الدولة في تأهيل الـمؤسسات العمومية إلى غاية إتمام البرنامج الـمحدد، الذي يفوق تمويله الشامل 1000 مليار دينار من القروض البنكية الـميسرة.
وبالـموازاة مع ذلك، سيتواصل الجهد من أجل إقناع المؤسسات الخاصة بالإنضمام إلى برنامج التأهيل الذي وضعته الدولة في متناولها بشروط مغرية.


سادسا : سوف يتم منح مزيد من الدعم للبحث العلمي والبحث في التنمية؛ حيث سيستفيد البحث في الجامعة من جديد بتمويل ميزاني في حدود مبلغ 20 مليار دينار في السنة، بالإضافة إلى أن البحث في الـمؤسسة سيتدعم بمزايا ملموسة. كما سيتم التشجيع على إقامة جسور بين الجامعة والـمؤسسة لفائدة التنمية الاقتصادية.


سابعا :وعلاوة على جهود قطاع التكوين والتعليم الـمهنيين، لتلبية احتياجات الـمؤسسات إلى الإطارات واليد العاملة المؤهلة، سيتم حثّ المتعاملين الاقتصاديين على القيام بأنفسهم بالتكوين في الـمهن، كما سيتم تحفيزهم على توفير تربصات لطلبة مراكز التكوين.


ثامنا : في الـمجال الفلاحي، سيعاد تفعيل مجمل الـمساعدات الـمقررة من قبل السيد رئيس الجمهورية سنة 2009، كما سيتم إعادة الدعم العمومي لسعر أغذية الأنعام.


تاسعا : سيتم استغلال كل العقار الفلاحي من خلال الاستعانة بالـمستثمرين الوطنيين وحتى من خلال الشراكة، مع الإشارة إلى أن هذا الـمسعى الذي شرع فيه أصلا، سيتواصل بالنسبة للمزارع النموذجية التي تملكها الدولة، وكذا من خلال منح الإمتياز على الـمساحات الشاسعة عبر الجنوب والهضاب العليا.


وفضلا عن كونها ستوفر مناصب شغل بالنسبة لسكان الـمناطق الـمعنية، فإن هذه الفلاحة الـمكثفة ستساهم في تعزيز الأمن الغذائي للبلاد، ولاسيما في المجالات التي لا تزال فيها التبعية إلى الاستيراد قوية، مثل الحبوب أو الحليب.


عاشرا : ستكون الأفضلية الـممنوحة للإنتاج الوطني التي أملاها قانون الصفقات العمومية وأعيد تفعيلها مؤخرا، محل متابعة دائمة. علاوة على إن تقليص حجم وفاتورة الواردات، من شأنه أن يوفر للإنتاج الوطني حصصا إضافية في الأسواق.


أحد عشر : ستعمل الحكومة على ترقية الصادرات خارج الـمحروقات، بما في ذلك من خلال تشجيع الـمتعاملين الخواص على الاستثمار في الخدمات الخاصة بالتصدير وإقامة سلاسل للتدخلات الاقتصادية التي يتطلبها اقتحام التصدير.


إثنا عشر : سترافق الحكومة هذا التشجيع للنشاط الاقتصادي في جميع القطاعات، بمزيد من الجهد في مجال تنمية الإقليم.


وبهذا الشأن، ستشهد البرامج البلدية للتنمية ارتفاعا قويا لـمخصصاتها الـمالية.


كما ستخصص لبرنامج التنمية الريفية موارد مالية بشكل أنسب.

وسوف يعاد تفعيل الصندوق الخاص الـموجه لتأهيل الهضاب العليا من أجل تنمية متزايدة للمناطق الـمعنية.


أما تدخلات الصندوق الخاص بالجنوب فستُفعّل من جديد هي الأخرى من أجل تنمية الولايات الـمعنية، الأمر الذي سيرافق تعزيز تحسين تسييرها الذي اعتمد مؤخرا، من خلال استحداث ولايات منتدبة.


السيد رئيس الـمجلس الشعبي الوطني،
السيدات والسادة النواب،
أيتها السيدات أيها السادة،


إن التنمية البشرية تشكل الجانب الرابع من مخطط عمل الحكومة.


وهنا، يجدر التذكير بأن رفاهية السكان والعدالة الاجتماعية والتضامن الوطني، هي خيارات بلادنا الجوهرية؛ خيارات تستمد جذورها الأصلية من بيان أول نوفمبر؛ خيارات أكدها من جديد الدستور الـمراجع بشكل واضح.


بل إن هذه الخيارات ما انفك يؤكدها السيد رئيس الجمهورية بانتظام. وبالتالي، فإن الحكومة ستسهر على ترقية هذه الخيارات بعزيمة تدعمها ثلاثة أسباب خاصة.


في الـمقام الأول، فإن الجزائر، بعد خروجها من الـمأساة الوطنية، قد نجحت بالفعل في إنجاز عمليات استدراكية كبرى، ثم في تحقيق أشواط هامة من التقدم في كل ميادين التنمية البشرية. وتلكم هي ثمار البرامج الـمتعاقبة التي تقررت من قبل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وبهذا الصدد، فإن الـملخص الـملحق بمخطط العمل يعكس مدى هذا التقدم في مختلف القطاعات.


وفي الـمقام الثاني، فإن جهد الدولة الـمبذول من أجل التنمية البشرية، قد شهد في هذه السنوات الأخيرة، تباطؤا طفيفا جراء الصعوبات الـمالية التي أدت إلى تجميد بعض الإنجازات أو تأجيلها، بما في ذلك في مجالي التربية والصحة.


أما في الـمقام الثالث والأخير، فإن الحكومة عازمة ليس فحسب على مواجهة الاحتياجات الفورية للسكان، بل أيضا على الشروع في تحضير أجوبة لاحتياجات الـمستقبل القريب.


وقد استعرض مخطط العمل، بالتفصيل، التزامات الحكومة، في مختلف مجالات التنمية البشرية، ومن بينها ترقية الثقافة، أو الاستجابة لاحتياجات وتطلعات الـمجاهدين وذوي الحقوق، والشباب، والنساء، وكذا الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.


واسمحوا لي أن أعود في هذا العرض، إلى بعض الجوانب الأخرى للمسعى الحكومي في مجال التنمية البشرية.

أولا : فيما يتعلق بالتربية الوطنية، سيتم بذل جهد خاص من أجل تحسين ظروف الدراسة بالنسبة للسنة الـمدرسية الجارية، ومن أجل توفير الشروط الضرورية لحسن سير الامتحانات وكذا التحضير لسنة مدرسية أكثر نجاعة.


وفي هذا الـمنظور، ستنجز عمليات إعادة تأهيل الـمؤسسات الـمدرسية الـموجودة، والتعجيل بإتمام الـمشاريع الجارية، فضلا عن الانطلاق في إنجاز مؤسسات جديدة بغرض الحد من اكتظاظ الأقسام. وسيتم تعزيز النقل الـمدرسي بما في ذلك من أجل ضمان توزيع أكثر عقلانية للتلاميذ بين الـمؤسسات الـمدرسية لنفس البلدية أو لنفس الـمجمع السكاني. إلى جانب ذلك، سيتم كلما دعت الحاجة، رفع عدد الأقسام الـموجهة للتلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة خلال هذه السنة البيداغوجية.


وبالـموازاة مع ذلك، سيتواصل إصلاح التربية الوطنية ضمن السعي بحزم إلى كسب الـمعرفة والعلوم، وفي ظل التمسك الثابت بقيم هويتنا ومرجعياتها.


ثانيا : ستتواصل ورشات قطاع الصحة وتستكمل بورشات جديدة.


وهكذا، فإن عمليات تدارك العجز في الـمنشآت الصحية ستعزز، بما في ذلك من خلال بعث الـمشاريع متوسطة الحجم التي جمدت. وسيتم تكثيف تكوين الإطارات شبه الطبيين على نحو يساهم في تقليص العجز الكبير في هذا المجال.


وستتواصل مختلف برامج الوقاية والعلاج التي يجري تطبيقها، ومنها برنامج مكافحة السرطان، وسيتم تعزيزها كلما دعت الحاجة.


من جهة أخرى، سيكون مخطط تنظيم الأسرة محل عناية متزايدة من أجل ترشيد النمو الديموغرافي ومن ثمة ضمان الرفاهية الاجتماعية للأجيال القادمة.


ثالثا : سيتم الحفاظ على الضمان الاجتماعي وتدعيمه.


وبهذا الشأن، فإن ضمان وفرة الأدوية سيكون مصحوبا بترقية أدوية جنيسة ذات جودة. وفي هذا الـمجال، فإن تنفيذ التعاقد على العلاج بين مؤسسات الصحة وصناديق الضمان الاجتماعي، من شأنه أن يسمح بترشيد النفقات. كما ستتواصل بصرامة مكافحة كل أشكال الغش في الضمان الاجتماعي، بما فيها عدم التصريح بالأجراء.


رابعا : في مجال السكن، فإن البرنامج الجاري سيستكمل، مما سيسمح بتسليم مئات الآلاف من الـمساكن الجديدة. كما سيبذل جهد آخر من أجل تدارك التأخر في إنجاز شبكات الـمنافع العامة.


ونطمئن الـمواطنين الذين وقعوا عقودا لاقتناء مساكن بصيغة البيع بالإيجار، بأن مساكنهم ستنجز.


من جهة أخرى، ستعمل الحكومة على تكييف سياسة السكن مع احتياجات العالم الريفي وضرورة كبح النزوح نحو الـمدن والبلدات الحضرية التي أصبحت تحتضن أكثر من 60% من السكان.

خامسا : وفي مجال الحصول على الطاقة، فإن نسبة الربط بشبكة الكهرباء التي بلغت حاليا 99% سيتم تعزيزها أكثر فأكثر. أما الربط بشبكة الغاز الذي بلغ حاليا نسبة 55%، فسيتواصل مع بذل جهد خاص في الولايات التي تسجل تأخرا في هذا الـمجال.


سادسا : بخصوص تزويد السكان بالـماء الصالح للشرب، سيتم وضع برامج قصد تحسين وفرة الـمياه و التخطيط للإستجابة لحاجيات الـمستقبل.


وبهذا الخصوص، فإن استغلال أزيد من 200 سدا من السدود ذات القدرات الضعيفة، سيتم تفعليه، مثلما سيتم في نفس الوقت التعجيل باستكمال الـمشاريع الـمائية الجارية.


وفي ذات الوقت، فإن مشروع محطة تحلية مياه البحر الـمقرر في ولاية الطارف، سيشهد إعادة النظر في قدرته بالزيادة واٌلإنطلاق في إنجازه في أقرب الآجال الـممكنة لفائدة سكان الشمال الشرقي للبلاد.


علاوة على ذلك، سيتم استئناف الـمشاريع الكبرى لتحويل الـمياه الجوفية من الجنوب نحو الهضاب العليا؛ حيث سيتم الشروع في الدراسات ذات الصلة في غضون السنة الـمقبلة؛ مع الإشارة إلى أن هذه الإنجازات الـمستقبلية تندرج في إطار الاستجابة لحاجيات السكان إلى الـمياه الصالحة للشرب، وكذا ضمن أفق تنمية أكثر كثافة للهضاب العليا.


سابعا : ستتواصل مكافحة البطالة من أجل احتواء هذه الظاهرة التي سجلت ارتفاعا طفيفا.


وسيتأتى الرد الأساسي على هذا التحدي من تكثيف الاستثمار الاقتصادي في جميع القطاعات وكذا من إنعاش برامج الاستثمارات العمومية. وبالـموازاة مع ذلك، سيكون هذا الرد مدعما بإجراءات تكميلية.


وهكذا، فإن إنشاء الـمؤسسات الـمصغرة من طرف العاطلين عن العمل، بما في ذلك الشباب، سيتواصل مع إعادة النظر في ذات الوقت، في التنظيم ذي الصلة، على نحو يسمح، اعتبارا من سنة 2018، بتجسيد منح 20% من الصفقات العمومية الـمحلية للمؤسسات الـمصغرة الـمستحدثة من قبل الشباب الـمقاولين.


علاوة على ذلك، سيتم الحفاظ على مجموع أجهزة التشغيل الـمؤقت، مع تجديد العقود التي سينقضى أجلها.


ثامنا : سيبقى جهد الدولة قائما في مجال التضامن الوطني إزاء كل الـمستفيدين منه. كما ستحاط الفئات ذات الاحتياجات الخاصة بدعم الدولة. وسيتم الإبقاء على التحويلات الاجتماعية في نفس الـمستوى ضمن ميزانية الدولة.


تاسعا : ستكون عمليات الدعم العمومي الـمباشرة وغير الـمباشرة، محل ترشيد في الـمستقبل، على أن يتم ذلك بعد تحضير جيد، من أجل تفادي الـمظالم وسوء الفهم.
وفي انتظار إتمام هذا الـملف على مستوى الإدارات العمومية، ثم الـمشاورات التي ستجرى بشأنه، فإن الـمساعدات ستظل سارية بالنسبة للمواد الأساسية.


عاشرا : أما بالنسبة للمنظومة الوطنية للتقاعد التي ما انفكت صعوباتها الـمالية تزداد خطورة من سنة إلى أخرى :


فإن الحكومة ستسهر على صون منظومة التقاعد والحفاظ عليها، عن طريق مكافحة الغش الاجتماعي، وكذا من خلال الـموارد الإضافية التي سيتم حشدها في إطار قانون الـمالية لسنة 2018.


غير أن كل هذه الجهود لا يمكن أن تعفي البلاد من التوجه آجلا، نحو إصلاح الـمنظومة الوطنية للتقاعد، من أجل مواجهة شيخوخة السكان وتمكين مجتمعنا من الوفاء بواجباته إزاء الأجيال التي ساهمت في تشييد البلاد.


السيد رئيس الـمجلس الشعبي الوطني،
السيدات والسادة النواب،
أيتها السيدات أيها السادة،


بهذا أكون إذن، قد عرضت عليكم مشروع مخطط عمل الحكومة الذي يشمل أيضا تعزيز الـمساعي التي ستنتهج تحت سلطة السيد رئيس الجمهورية، من أجل بناء قدرة رادعة واحترافية للدفاع الوطني، حول الجيش الوطني الشعبي، ومن أجل أن يتعزز النشاط الخارجي للجزائر، تحت قيادة رئيس الدولة، في خدمة مصالح بلادنا بشتى أشكالها، والإلتفاف إلى جانب القضايا التي اعتنقها شعبنا.


وأن الحكومة من خلال مخطط العمل هذا، ليحدوها الأمل في أن تكون في مستوى مسار النهضة الوطنية التي يقودها السيد رئيس الجمهورية منذ نحو عقدين من الزمن.


وغني عن البيان أن حجم هذا العمل وأهمية الثمار التي تولدت عنه، لفائدة مواطنينا عبر كل أرجاء البلاد، لهو الذي صقل هذا التلاحم الصلب الذي توحد الشعب من خلاله حول رئيسه، الـمجاهد عبد العزيز بوتفليقة. ولا شك أن هذه الوحدة هي أحسن جواب لدعاة عدم الإستقرار الـمزمن ولأولئك الذين يترقبون حلول الفوضى.


والله أسأل أن يجعل الحكومة في مستوى مهمتها، وفي مستوى تطلعات شعبنا الـمشروعة.


أشكركم


 

تغريدات

ألبوم الصور

المزيد من الألبومات